حفيف

محمود درويش

كَمُصْغٍ إلى وَحْيٍ خفيّ , أُرهف السمع إلى صوت أوراق الشجر الصيفيّ ... صوتٍ خَفِرٍ مُخَدَّر مُتَحدِّرٍ من أَقاصي النوم... صوتٍ شاحب ذي رائحة حنطية قادم من عزلة ريفيّة.. صوتٍ متقطعٍ مُوَزِّع بتقاسيمَ مرتجلةٍ على أوتار نسيم مُتَمَهِّل. لا يسترسل ولا يطيل الفواصل. لصوت أوراق الشجر في الصيف تَقَشُّف الهمس وتعفُّف النداء . كأنَّ الصوت هذا لي وحدي, يخطفني من ثقل المادة إلى خفّة الإشراق : هناك وراء التلال , وما بعد الخيال , حيث يتساوى الظاهر والباطن , أَسبح خارج ذاتي في ضوء بلا شمس بعد غفوة تشبه الصحوة , أو بعد صحوة تشبه الغفوة , يعيدني حفيف الشجر إلى ذاتي معافىً مُصَفّىً من الوساوس والهواجس . لا أَسأل عن معنى هذا الصوت : هل هو نجوى ورقة إلى أختها في هذا الخلاء , أم هو حنين الهواء إلى قيلولة ؟ صوت بلا كلام يهدهدني ويمسّدني ويحولني وعاء ينضح بما ليس منه... ولا فيه. كأنه عاطفة تبحث عن عاطفيّ ... شبيهِ !

التعليقات

إضافة تعليق