ما يشبه الخسارة

محمود درويش

أَصعدُ من هذا الوادي , على درجات نفسي تقريباً. أَصعد إلى ربوة عالية لأرى البحر . لا أغنية تحملني ولا سوء تفاهم مع الكينونة. أَتسلِّى بمراوغة ظلِّي , وبالتفكير المريح في مآل قوس قزح يلهيني , فجأة , عن ظلِّي المشتبك بعوسجة جرحته ولم ينزف .أَنحني عليه لأسعفه من وخزات الشوك , فتنغرز شوكةٌ في يدي وتسيل قطرةُ دمٍ حمراءُ خِلْتُها , في البداية , انعكاساً لأحد ألوان قوس قزح . لكن أَلماّ خفيفاً في يدي نَبَّهني إلى أَن ما تفعله الشمسُ بكثافة الماء الطائرِ هو شيء آخر. ضمَّدتُ جرحي التافه بمنديل ورقيّ , وواصلتُ الصعود إلى الربوة العالية لأرى البحر . ولكن الغيوم تكاثفت وغطَّت السهلَ والجهاتِ والبحرَ الذي وقع أَسيراً في إحدى الحروب. هبط الليل على كل شيء , وظهرتْ أضواء المستعمرات من كل ناحية . وحين نزلتُ على درجات نفسي تقريباً , من الربوة العالية إلى الوادي , تذكَّرتُ أني نسيتُ ظلِّي عالقاً بعوسجة. لا أعرف إن كنت حزنت أَم لا , فإنَّ خسارةً أدبيَّةً مثلَ هذه لا تصلح للتدوين . وقلت : غداً أصعد إلى ربوة أعلى لأرى البحر خلف المستعمرات . لكني سأربط ظلي برَسَنٍ لئلاً أُضيّعه مرة ثانية !

التعليقات

إضافة تعليق