ماذا... لماذا كلُّ هذا؟

محمود درويش

يُسَلِّي نفسه ، وهو يمشي وحيداً ، بحديث قصير مع نفسه . كلمات لا تعني شيئاً ، ولا تريد أن تعني شيئاً : «ماذا ؟ لماذا كل هذا ؟» لم يقصد أن يتذمر أو يسأل ، أو يحكَّ اللفظة باللفظة لتقدح إيقاعاً يساعده على المشي بخفَّةِ شاب . لكن ذلك ما حدث . كلما كرَّر : ماذا... لماذا كل هذا ؟ أحسَّ بأنه في صحبة صديق يعاونه على حمل الطريق . نظر إليه المارة بلا مبالاة . لم يظن أحد أنه مجنون . ظنّوه شاعراً حالماً هائماً يتلقّى وحياً مفاجئاً من شيطان . أما هو ، فلم يَتَّهم نفسه بما يسيء إليها. ولا يدري لماذا فكَّر بجنكيزخان . ربما لأنه رأى حصاناً بلا سرج يسبح في الهواء ، فوق بناية مُهَدَّمة في بطن الوادي . واصل المشي على إيقاع واحد : «ماذا... لماذا كل هذا ؟» وقبل أن يصل إلى نهاية الطريق الذي يسير عليه كل مساء ، رأى عجوزاً ينتحي شجرة أكاليبتوس ، يسند على جذعها عصاه ، يفك أزرار سرواله بيد مرتجفة ، ويبوّل وهو يقول : ماذا... لماذا كل هذا ؟. لم تكتف الفتيات الطالعات من الوادي بالضحك على العجوز، بل رمينه بحبَّات فستق أخضر !

التعليقات

إضافة تعليق