حنين إلى نسيان

محمود درويش

ظلام . وقعتُ عن السرير ممسوساً بسؤال : أَين أنا ؟ بحثت عن جسدي فأحسستُ به يبحث عني . وبحث عن مفتاح النور لأرى ما يحدث لي , أَجده . تعثَّرتُ بكرسيّ فأسقطتُهُ وأسقطني على ما لا أَعرف . وكأعمى يرى بأصابعه الأشياء فَتَّشت عن جدار أَستند إليه ,فارتطمتُ بخزانة. فتحتُها... فلامستْ يدي ثياباً شَمَمْتُها فعثرتُ على رائحتي . أدركت أني في حيِّز من العالم يخصني , وانفصل عني أو انفصلت عنه . تابعتُ البحث عن مفتاح النور لأرى إن كان ذلك صحيحاً , فوجدته . تعرفت إلى أشيائي : هذا سريري , وهذا كتابي , وهذه حقيبتي , وهذا الذي في البيجامة هو أَنا تقريباً. فتحت النافذة , وسمعت نباح كلاب في الوادي . ولكن , لم أتذكر متى عدت , ولا أتذكر أني وقفتُ على الجسر . ظننتُ أني أحلم بأني هنا ولستُ هنا. غسلت وجهي بماء بارد , وتأكدت من يقظتي . سرت إلى المطبخ فرأيت فواكه طازجة , وصحوناً غير مغسولة تدلُّ على أنني تناولت العشاء هنا. لكن , متى حدث ذلك ؟ تصفحت جواز السفر فأدركت أني وصلت اليوم , دون أن أتذكر أني سافرت . هل حصل فصامٌ ما في ذاكراتي ؟ هل انفصل وجودي النفسي عن وجودي الفيزيائي . خفتُ ... واتصلتُ بصديق في ساعة متأخرة من الليل : أُعاني من وعكة في الذاكرة... أين أنا ؟ قال: أنت في رام الله. سألته : متى أتيت ؟ قال : اليوم , وكنا معاً بعد الظهر في حديقة ﭬاتشي. سألته : لماذا لا أتذكر , هل تظن أني مريض ؟ قال : يحدث ذلك مع مرضى من نوع آخر : مرضى الحنين إلى النسيان !

التعليقات

إضافة تعليق