روتين

محمود درويش

مُنْخَفَضٌ جويّ . الرياح شمالية غربية , زخّات من مطر . البحر مجعَّد رمادي . أشجار السرو عالية. وغيوم الخريف تسقط اليوم ثلاثين شهيداً شمالي غزة , بينهم امرأتان اشتركتا في مظاهرة تطالب بحصة النساء من الأمل . السماء عالية . البحر هادئ أزرق . الرياح شمالية. الرؤية صافية . لكن غيوم الخريف - الاسم الرمزي للقتل – تقضي على أسرة كاملة مكونة من سبع عشرة حياة ... تبحث الأخبار عن أسمائهم تحت الأنقاض . ما عدا ذلك , تبدو الحياة غير العادية عاديَّةَ الوتيرة . ما زال الأفراد إذا صحوا أحياء قادرين على القول : صباح الخير . ثم يذهبون إلى أشغالهم الروتينية : تشييع الشهداء ولا يعرفون إن كانوا سيعودون سالمين إلى ما تبقى من بيوت تحاصرها جرافات ودبابات وأشجار سرو مكسورة . والحياة , من فرط لامبالاتها , لا تُرَى إلاّ تخطيطاً أولياً لأمنيّة عصيّة على التدوين : المساواة مع بنات آوى في الاستمتاع بكهف آمن . لكننا مطالبون بمهمة صعبة : الوساطة بين الله والشيطان للتوصل إلى هدنة قصيرة ندفن خلالها شهداءنا !

التعليقات

إضافة تعليق